ابن الجوزي

47

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فقال قائل : نخرجه من بين أظهرنا ، فننفيه من بلدنا [ 1 ] . فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا / لكم برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل بحي من أحياء العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم . فقال أبو جهل : والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه . قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا [ 2 ] فيكم ، ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدون إليه فيضربونه ضربه رجل واحد ، فيقتلونه ، فنستريح ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل كلها ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا ، ورضوا منا بالعقل فعقلناه لهم . فقال الشيخ النجدي : القول ما قال هذا الرجل ، هذا الرأي لا أرى لكم غيره . فتفرق القوم على ذلك وهم مجتمعون له ، فأتى جبريل عليه السلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الَّذي كنت تبيت عليه . فلمّا كانت العتمة ، اجتمعوا على بابه ثم ترصّدوه متى ينام فيثبون عليه : فلما رأى رسول الله [ صلَّى الله عليه وسلَّم ] [ 3 ] مكانهم ، قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : « نم على فراشي وتسجّ [ 4 ] ببردي الحضرميّ الأخضر فنم فيه ، فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم » ، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ينام في برده ذلك إذا نام . أخبرنا ابن الحصين قال : أخبرنا ابن المذهب قال : أخبرنا أبو بكر بن جعفر قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا

--> [ 1 ] صاحب هذا الرأي ، أبو الأسود ربيعة بن عامر أحد بني عامر بن لؤيّ . [ 2 ] الوسيط : الشريف في قومه . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول . [ 4 ] تسجى بالثوب : غطى به جسده ووجهه . وقد وردت في الأصل : « واتشح » .